تُستخدم حقن الفقرات القطنية لتخفيف بعض أنواع آلام أسفل الظهر، خاصةً عندما يرتبط الألم بالتهاب أو تهيج الأعصاب أو بعض مشكلات الأقراص الغضروفية. ويعتمد اختيار الحقن على سبب الألم ونتائج الفحص والتصوير، كما تختلف فوائدها ومدى استمرار تأثيرها من شخص إلى آخر. ولا تُعد حقن الفقرات القطنية علاجًا نهائيًا لجميع مشكلات العمود الفقري، بل قد تكون جزءًا من خطة علاجية تشمل الأدوية والعلاج الطبيعي وتعديل الأنشطة اليومية.
ماهي حقن الفقرات القطنية
إجراء طبي يقوم فيه الطبيب بحقن دواء في منطقة محددة من أسفل العمود الفقري، بهدف تقليل الالتهاب على جذور اﻷعصاب أو تخفيف الألم، وأحيانًا للمساعدة في تحديد مصدره. وتختلف طريقة الحقن ومكانها باختلاف التشخيص؛ فقد تُوجَّه إلى الحيز فوق الجافية المحيط بالأغشية التي تغطي الأعصاب، أو إلى مفصل من مفاصل الفقرات، أو بالقرب من جذر عصبي معين.
غالبًا ما تحتوي حقن الفقرات القطنية العلاجية على مخدر موضعي، وقد يُضاف إليه دواء من مجموعة الكورتيكوستيرويدات لتقليل الالتهاب. ويحدد الطبيب نوع الدواء وجرعته وطريقة إعطائه وفق الحالة الصحية للمريض، مع مراعاة الأمراض المزمنة والأدوية المستخدمة، خاصةً مميعات الدم.
من المهم التمييز بين الحقن العلاجية والحقن التشخيصية؛ فالحقن التشخيصية قد تساعد على معرفة المفصل أو العصب المسؤول عن الألم من خلال تقييم استجابة المريض للمخدر الموضعي، بينما تهدف الحقن العلاجية إلى تقليل الأعراض وتحسين القدرة على الحركة.

أفضل أنواع حقن الفقرات القطنية
لا يوجد نوع واحد من حقن الفقرات القطنية يناسب جميع المرضى، لأن اختيار الإجراء يتوقف على مصدر الألم ومكانه والأعراض المصاحبة له. ومن الأنواع التي قد يوصي بها اختصاصي العمود الفقري ما يلي:
-
حقن الستيرويدات فوق الجافية:
هو النوع اﻷكثر شيوعًا، يُحقن الدواء في الحيز فوق الجافية بالقرب من الأعصاب في المنطقة القطنية. وقد يُستخدم هذا الإجراء في بعض حالات الألم الممتد إلى الساق بسبب تهيج جذر عصبي، مثل حالات الانزلاق الغضروفي أو ضيق القناة العصبية المصحوب بأعراض مناسبة.
تساعد الستيرويدات على تقليل الالتهاب حول الأعصاب، لكنها لا تعيد القرص الغضروفي إلى موضعه ولا توسع القناة العصبية ميكانيكيًا. وتختلف الاستجابة من مريض إلى آخر؛ فقد يحصل بعض المرضى على تحسن ملحوظ لفترة محدودة، بينما تكون الفائدة أقل لدى آخرين.
-
الحقن حول جذر العصب “حقن مفاصل الفقرات”:
يُوجَّه الدواء بالقرب من جذر عصبي محدد يُشتبه في كونه مصدر الألم. وقد يُستخدم هذا الإجراء عند وجود ألم ينتشر من أسفل الظهر إلى الأرداف أو الساق، خصوصًا إذا تطابقت الأعراض مع نتائج الفحص والتصوير.
يمكن أن تساعد الاستجابة للحقن في تخفيف الألم، كما قد تقدم معلومات تشخيصية في بعض الحالات. ويُجرى هذا النوع عادةً باستخدام التوجيه بالتصوير لضمان دقة وصول الإبرة إلى المنطقة المستهدفة وتقليل المخاطر.
-
حقن المفاصل الوجيهية:
المفاصل الوجيهية هي مفاصل صغيرة تربط الفقرات ببعضها وتساعد على توجيه الحركة. وقد تسبب هذه المفاصل ألمًا في أسفل الظهر لدى بعض الأشخاص نتيجة التغيرات التنكسية أو الالتهاب.
يمكن حقن المفصل نفسه أو الأعصاب الصغيرة التي تنقل الإحساس منه، وفق الهدف التشخيصي أو العلاجي. وقد يستفيد من هذا الإجراء بعض المرضى الذين يكون ألمهم ناتجًا عن هذه المفاصل، لكنه لا يناسب كل حالات ألم الظهر.
-
حقن المفصل العجزي الحرقفي:
يقع المفصل العجزي الحرقفي بين العجز والحوض، وقد يكون مصدرًا للألم الذي يظهر في أسفل الظهر أو الأرداف. وإذا رجح الفحص السريري أن هذا المفصل هو سبب الأعراض، فقد يوصي الطبيب بحقن موضعي للمساعدة على التشخيص أو تخفيف الألم.
فوائد حقن لعلاج التهاب الفقرات القطنية
قد تساعد الحقن المناسبة على تخفيف الألم وتحسين القدرة على الحركة والنوم وممارسة الأنشطة اليومية. وتكون الفائدة أوضح عندما يكون الإجراء موجَّهًا إلى مصدر محدد للأعراض، مثل التهاب جذر عصبي في بعض حالات الانزلاق الغضروفي.
ومن أبرز الفوائد المحتملة:
- تقليل الالتهاب حول الأعصاب أو في المفاصل المستهدفة، بحسب نوع الحقن.
- تخفيف الألم الممتد إلى الساق في بعض حالات تهيج الأعصاب.
- تسهيل المشاركة في جلسات العلاج الطبيعي والتمارين التأهيلية بعد تحسن الألم.
- تقليل الحاجة إلى بعض مسكنات الألم لدى بعض المرضى، وفق تقييم الطبيب.
- المساعدة على تحديد مصدر الألم عندما تُستخدم الحقن لأغراض تشخيصية.
ومع ذلك، لا تعني هذه الفوائد أن الحقن مناسبة لكل مريض، كما أن مدة التحسن ليست ثابتة. فقد يستمر تأثيرها أيامًا أو أسابيع أو أشهرًا لدى بعض الأشخاص، وقد لا تحقق تحسنًا كافيًا لدى آخرين. كذلك، لا تُصلح الحقن تلف الأعصاب ولا تعالج السبب البنيوي بصورة مباشرة في جميع الحالات.
متى يُستخدم حقن الفقرات القطنية لعلاج الألم؟
قد يوصي الطبيب بالحقن عندما يستمر الألم رغم تجربة العلاجات التحفظية المناسبة، أو عندما يعيق الألم الحركة والنوم وأداء الأنشطة اليومية. من الحالات التي قد تستدعي التفكير في الحقن:
- الألم الجذري الذي يمتد إلى الساق نتيجة تهيج أحد الأعصاب.
- بعض حالات الانزلاق الغضروفي المصحوبة بألم عصبي مستمر.
- بعض حالات ضيق القناة الشوكية عندما تتناسب الأعراض مع التشخيص.
- الألم الناتج عن مفاصل الفقرات أو المفصل العجزي الحرقفي، بعد تقييم مصدره.
- الحاجة إلى إجراء تشخيصي يساعد الطبيب على تحديد البنية المسؤولة عن الألم.
قبل اتخاذ القرار، يراجع الطبيب مدة الأعراض وشدتها، والأدوية التي جربها المريض، ومدى تأثير الألم على حياته. وقد يطلب تصويرًا بالرنين المغناطيسي أو فحوصًا أخرى إذا كانت هناك ضرورة سريرية لتوضيح السبب.
حالات لا تفيد فيها حقن الفقرات القطنية
قد تكون فائدة حقن الفقرات القطنية محدودة إذا لم يكن مصدر الألم مناسبًا للنوع المقترح من العلاج. فعلى سبيل المثال، لا يُتوقع أن تعالج حقن الستيرويدات فوق الجافية ألمًا عضليًا بسيطًا لا يرتبط بتهيج الأعصاب، كما أنها لا تزيل الانزلاق الغضروفي أو تعالج الكسور أو تعيد بناء الأنسجة المتضررة.
وقد لا تكون الحقن الخيار الأنسب في الحالات التالية:
- الألم غير محدد المصدر، أو الذي لا تتوافق أعراضه مع نتائج الفحص.
- وجود ضغط عصبي شديد مصحوب بضعف متزايد يحتاج إلى تقييم جراحي عاجل.
- وجود عدوى نشطة في موضع الحقن أو اشتباه في عدوى بالعمود الفقري.
- اضطرابات النزف أو استخدام مميعات الدم دون تقييم طبي وترتيب آمن للأدوية.
- الحساسية المعروفة لأحد مكونات الحقن، أو وجود ظروف صحية تجعل الإجراء غير مناسب.
كذلك، فإن ظهور ضعف جديد أو متزايد في الساقين، أو فقدان السيطرة على البول أو البراز، أو خدر في منطقة ما بين الفخذين، يستدعي تقييمًا طبيًا عاجلًا، ولا ينبغي تأخير ذلك انتظارًا لموعد حقن. وقد تشير هذه العلامات إلى ضغط عصبي خطير يحتاج إلى تدخل سريع.
يمكنك قراءة المزيد عن: الحقن الأسمنتي للفقرات: علاج حديث لكسور العمود الفقري بدون جراحة
كيف يتم إجراء حقن الفقرات القطنية؟
تُجرى حقن الفقرات القطنية عادةً في منشأة طبية مجهزة، بواسطة طبيب مدرَّب على الإجراء، مع الالتزام بالتعقيم ووسائل التوجيه المناسبة. وتختلف التفاصيل حسب نوع الحقن ومكانها، لكن الخطوات العامة تشمل ما يلي:
- التقييم قبل الإجراء: يراجع الطبيب التاريخ المرضي والأدوية والحساسية، ويحدد الهدف من الحقن بناءً على الأعراض والفحص والتصوير عند الحاجة.
- تجهيز المريض: يوضع المريض في الوضعية المناسبة، وتُنظف منطقة الجلد بمطهر طبي، وقد يُستخدم مخدر موضعي لتقليل الانزعاج.
- توجيه الإبرة: يستخدم الطبيب عادةً التصوير بالأشعة السينية الحية، وقد يستعمل مادة تباين مناسبة عند الحاجة، للتحقق من موضع الإبرة بحسب نوع الإجراء.
- حقن الدواء: يُعطى الدواء في المنطقة المستهدفة بعد التأكد من الموضع الصحيح، مع مراقبة المريض وملاحظة أي أعراض غير متوقعة.
- المتابعة بعد الحقن: تتم مراقبة المريض لفترة يحددها الفريق الطبي، ثم تُشرح له تعليمات الحركة والعناية بموضع الحقن ومتى يمكن استئناف أنشطته.
قد يشعر المريض بضغط أو انزعاج مؤقت أثناء الإجراء، وقد يحدث ألم موضعي لفترة قصيرة بعده. وفي بعض الحالات، لا يظهر التحسن مباشرةً، لأن تأثير المخدر الموضعي يختلف عن تأثير الستيرويد الذي قد يحتاج إلى عدة أيام ليبدأ مفعوله.
ما المخاطر والآثار الجانبية المحتملة؟
- تُعد معظم الآثار الجانبية بسيطة ومؤقتة، مثل الألم في موضع الحقن أو الاحمرار المحدود أو الدوار العابر. وقد يلاحظ بعض المرضى ارتفاعًا مؤقتًا في مستوى سكر الدم بعد حقن الستيرويدات، وهو أمر مهم لمن يعانون السكري، كما قد تحدث تغيرات مؤقتة في النوم أو المزاج.
- أما المضاعفات الأقل شيوعًا فتشمل العدوى أو النزيف أو الصداع الناتج عن تسرب السائل النخاعي، وقد تحدث إصابة عصبية نادرة. وترتبط المخاطر بنوع الحقن والحالة الصحية وخبرة الفريق المستخدم للتوجيه المناسب.
هل يمكن تكرار الحقن؟
- يمكن تكرار حقن الفقرات القطنية في حالات مختارة إذا حققت تحسنًا ذا قيمة وكانت الفائدة المتوقعة أكبر من المخاطر.
- لكن لا يُنصح بتكرارها تلقائيًا وفق جدول ثابت دون مراجعة الاستجابة والسبب الأساسي للألم. فالتعرض المتكرر للستيرويدات قد يسبب آثارًا تراكمية، ولذلك يحدد الطبيب عدد الحقن والفواصل بينها بحسب الحالة والإرشادات الطبية المناسبة.
- وتكون النتائج أفضل عندما تُدمج المعالجة، عند ملاءمتها، مع برنامج تأهيلي يهدف إلى تحسين الحركة وقوة العضلات وتحمل الأنشطة اليومية، بدلًا من الاعتماد على الحقن وحدها.
من هو الطبيب المناسب لتقييم الحالة؟
يحتاج اختيار العلاج إلى تقييم طبي يحدد ما إذا كان الألم ناتجًا عن غضروف أو مفصل أو تهيج عصبي أو سبب آخر. ويمكن استشارة د. مايكل عاطف سليمان:
- استشاري جراحات العمود الفقري للأطفال والكبار.
- حاصل على دكتوراه جراحة العظام والعمود الفقري من طب القصر العيني بجامعة القاهرة، والزمالة الكندية لجراحات تشوهات العمود الفقري لصغار السن من جامعة بريتش كولومبيا.
- عضو الجمعية السويسرية لجراحات العمود الفقري.
ويحدد الطبيب مدى ملاءمة حقن الفقرات القطنية بعد مراجعة الأعراض والفحص ونتائج التصوير، ويشرح الخيارات البديلة والمنافع المتوقعة والمخاطر المحتملة لكل إجراء.
خلاصة المقال…
يمكن أن تكون حقن الفقرات القطنية خيارًا لتخفيف بعض أنواع آلام أسفل الظهر والألم الممتد إلى الساق، خصوصًا عندما يرتبط بتهيج الأعصاب أو التهاب المفاصل المستهدفة. لكن نجاحها يعتمد على التشخيص الدقيق واختيار نوع الحقن المناسب، ولا تُغني عن العلاج التأهيلي أو التدخلات الأخرى عندما تستدعي الحالة ذلك. لذلك، ينبغي إجراء تقييم متخصص قبل الحقن، واتباع تعليمات ما بعد الإجراء، وطلب الرعاية العاجلة عند ظهور علامات تدل على ضغط عصبي خطير.